أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
136
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
أولا عمله مجاهدة بترك الدنيا وأسبابها ، ثم يكون مكابدة بالصبر على الفاقة حتى يصير حالا ، ثم يسكن القلب ويذوق حلاوته فيصير مقاما ، وكذلك التوكل يكون مجاهدة بترك الأسباب ، ثم يكون مكابدة بالصبر على مرارة تصرفات الأقدار ، ثم يصير حالا ، ثم يسكن القلب فيه ويذوقه فيصير مقاما ، وكذلك المعرفة تكون مجاهدة بالعمل في الظاهر كخرق العوائد من نفسه ، ثم تكون مكابدة بالمعرفة والإقرار عند التعرفات ، ثم تصير حالا ، فإذا سكنت الروح في الشهود وتمكنت صارت مقاما . فالأحوال مواهب ، والمقامات مكاسب يعني أن الأحوال مواهب من اللّه جزاء لثواب الأعمال ، فإذا دام العمل واتصل الحال صار مقاما ، فالأحوال تتحول تذهب وتجيء ، فإذا سكن القلب في ذلك المعنى صار مقاما ، وهو مكتسب من دوام العمل . واعلم أن المقام والحال لكل واحد علم وعمل ، فالمقام يتعلق به العلم أولا ، ثم يسعى في عمله حتى يكون حالا ، ثم يصير مقاما ، وكذلك الحال يتعلق به العلم أولا ، ثم العمل ، ثم يصير مقاما حالا ، واللّه تعالى أعلم . فعلامة التحقق بمقامات الإنزال هو حسن الحال ، وعلامة حسن الحال هو حسن العمل ، فإتقان الأعمال وحسنها هو ثمرة ونتيجة حسن الأحوال ، وحسن الأحوال وإتقانها هو نتيجة التحقق بمقامات الإنزال أي التحقق بالإنزال في المقامات أو تقول : حسن الأحوال دليل على التحقق بالمقامات التي ينزل اللّه عبده فيها ، وحسن الأعمال دليل على حسن الأحوال والتحقق بالحال ، والسكون في المقام أمر باطني ويظهر أثره في عمل الجوارح ، والحاصل : أن حركة القالب تدل على صلاح القلب أو فساده لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب « 1 » » ، فإذا تحقق القلب بالزهد مثلا وصار له حالا أو مقاما ظهر ذلك على جوارحه من الثقة باللّه والاعتماد عليه
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 28 ) ، ومسلم ( 3 / 1219 ) .